عباس حسن

256

النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة

من قرأها بالتنوين في قوله تعالى يصف أهل الجنّة : ( متّكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا . ودانية عليهم ظلالها ، وذلّلت قطوفها تذليلا ، ويطاف عليهم بآنية من فضّة وأكواب كانت قواريرا ، قواريرا من فضّة قدّروها تقديرا . . . ) فقد نونت كلمة « قواريرا » ، الأولى لمراعاة آخر الجملة التي قبلها ، ومراعاة لآخر الجملة التي بعدها . . . ونونت كلمة : « قواريرا » الثانية لمراعاة الأولى . . . ومراعاة نهاية الآية السابقة ، فإنّها منونة أيضا . ومن الأمثلة قراءة من قرأ : « يغوث » ، و « يعوق » منونتين في قوله تعالى عن المشركين ، ومخاطبة بعضهم بعضا بالتمسك بأصنامهم : ( وقالوا : لا تذرنّ آلهتكم ، ولا تذرنّ ودّا ، ولا سواعا ، ولا يغوثا ، ويعوقا ، ونسرا « 1 » ) ، فقد نونت الكلمتان مراعاة لما حولهما من كلمات أخرى منونة . الثانية : الضرورة الشعرية « 2 » ، وما في حكمها « 2 » - ؛ فيضطر الشاعر ببسبها

--> ( 1 ) كل هذه أسماء أصنام اتخذها المشركون من أهل الجاهلية آلهة لهم عبدوها . ( 2 ، 2 ) الشائع في أكثر الكتب النحوية أن « الضرورة » خاصة بالشعر وحده . لكن بعض المحققين لا يرون هذا التحديد الضيق ، كما صرح ابن برى في رسالته المطبوعة في نهاية « مقامات الحريري » ، يدافع فيها عن صاحب « المقامات » ، ويصحح كل ما أخذه عليها « ابن الخشاب البغدادي » ، فقد صرح ابن برى بأن الضرورة ليست مقصورة على الشعر وحده ، وإنما تشمل السجع والفواصل أيضا . وفيما بلى نص كلامه ( ص 11 من تلك الرسالة ) : ( اعلم أن للسجع ضرورة الشعر ، وأن له وزنا يضاهى ضرورة الوزن الشعرى في الزيادة والنقصان والإبدال ، وغير ذلك . وحذفوا التنوين فيه كما حذفوه في الشعر - وساق أمثلة متعددة تؤيد كل ما سبق - حكى ذلك الخليل ، وأبو حنيفة الدينورىّ . . . وقد جاء مثل هذا في فواصل القرآن ، لتتفق الفواصل . فمن الزيادة قوله تعالى في سورة الأحزاب : عن الكافرين : ( يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ ، يَقُولُونَ : يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ ، وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا . وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ) خ خ - فقد زيدت ألف في آخر كلمة « السبيل » ؛ مراعاة لكلمة « السول » ، وزيدت ألف في كلمة : « الرسول » لأن الآيات التي قبلها مختومة ، بكلمات منونة ، منصوبة ، آخرها ألف . وكذلك زيدت ألف في كلمة : « الظنون » من قوله تعالى في سورة الأحزاب . . « وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا » وزيادتها لمراعاة أواخر الآيات التي قبلها ، المختومة بكلمات منصوبة آخرها ألف ( أليما - بصيرا . . ) فزيدت الألف في الفواصل كما تزاد في الشعر ، آخر القافية - بقصد الإطلاق . ومن النقص قوله تعالى في سورة الفجر : « وَالْفَجْرِ ، وَلَيالٍ عَشْرٍ ، وَالشَّفْعِ ، وَالْوَتْرِ ، وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ » فحذفت الياء من « يسر » اتباعا للوتر ، وما تقدمه . وكذلك حذفت الياء - من أكرمني ، وأهاننى - في قوله تعالى تعالى في هذه السورة : خ خ فَأَمَّا الْإِنْسانُ -